الإيمان بالله
الإيمان له أركان ستة بينها رسول الله صلى الله عليه وسلم لما سأله جبريل عليه السلام بحضرت أصحابه قال: أخبرني عن الإيمان ، قال الإيمان أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر وتؤمن بالقدر خيره وشره قالَ: صَدَقْتَ
هذه أركان الإيمان الذي لا بد منها فإذا فقد واحدة منها فالإنسان ليس بمؤمن ولو قال بلسانه إنه مؤمن أو آمنت بالله
وقد ذكرها الله في كتابه الكريم، قال -تعالى-: (لَيْسَ الْبِرُّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَالْمَلاَئِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ)[البَقَرَة: 177]، ودليل القدر (إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ)[القَمَر: 49]
وأول أركان الإيمان: الإيمان بالله، وهو أعظمُ أركان الإيمان وأساسُه وهو أصلُ الأصول
والإيمان بالله يتضمن أربعة أمور
الأول: الإيمان بوجود الله تعالى
وقد دل على وجوده تعالى: الفطرة ، والعقل ، والشرع والحس
1- أما دلالة الفطرة على وجوده: فإن كل مخلوق قد فطر على الإيمان بخالقه من غير سبق تفكير أو تعليم ، ولا ينصرف عن هذه الفطرة إلا من طرأ على قلبه ما يصرفه عنها فقد قال النبي صلى الله عليه وسلم : ما من مولود إلا يولد على الفطرة
وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “يقول الله تعالى: « وإني خلقتُ عبادي حُنَفاء كلهم، وإنهم أتتهم الشياطين فاجتالتهم عن دينهم، وحَرَّمت عليهم ما أحللتُ لهم، وأمرتهم أن يُشركوا بي ما لم أُنزِّل به سلطانا » أخرجه مسلم (2865).
ولذلك كان وجود الله من الأمور المركوزة في الفطرة البشرية، فإن كل إنسان يشعر من نفسه بأنّ له ربًا وخالقًا، ويحس بعظيم الحاجة إليه، فيتجه بيديه وعينيه وقلبه إلى السماء، لطلب الغوث من ربه.
2- وأما دلالة العقل على وجود الله تعالى : هذه المخلوقات لابد لها من خالق أوجدها إذ لا يمكن أن توجد نفسها بنفسها ، ولا يمكن أن توجد صدفة
وقد ذكر الله تعالى هذا الدليل العقلي في قوله : “أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ” (الطور:35)
وجاء عن جبير بن مطعم أنه سمع النَّبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم يَقْرَأُ في المَغْرِبِ بالطُّورِ، فَلَمَّا بَلَغَ هذِه الآيَةَ: {أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ * أَمْ خَلَقُوا السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ بَلْ لَا يُوقِنُونَ * أَمْ عِنْدَهُمْ خَزَائِنُ رَبِّكَ أَمْ هُمُ الْمُصَيْطِرُونَ} [الطور: 35 – 37]، قالَ: كَادَ قَلْبِي أنْ يَطِيرَ
فهذا الخلق يدل على الخالق سبحانه وتعالى، ولهذا لما قيل لأعرابي بم عرفت ربك؟ قال: البعرة تدل على البعير والأثر يدل على المسير، ألا يدل هذا الكون على اللطيف الخبير.
3- وأما دلالة الشرع على وجود الله تعالى : فالكتب السماوية كلها تنطق بذلك
4- وأما دليل الحس على وجود الله :
أننا نشاهد إجابة الداعين ، وغوث المكروبين ،
وعن – أنس بن مالك رضي الله عنه
أصابَ النَّاسَ سَنةٌ علَى عَهدِ رسولِ اللَّهِ صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ فبَينا رسولُ اللَّهِ صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ يخطُبُ علَى المنبَرِ يومَ الجمُعةِ فقامَ أعرابيٌّ ، فقالَ : يا رسولَ اللَّهِ هلَكَ المالُ وجاعَ العيالُ فادعُ اللَّهَ لَنا فرفعَ رسولُ اللَّهِ صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ يدَيهِ وما نَرى في السَّماءِ قَزَعةً والَّذي نَفسي بيدِه ما وضعَها حتَّى ثارَ سَحابٌ أمثالُ الجبالِ ثمَّ لم ينزِلْ عن مِنبرِه حتَّى رأيتُ المطرَ يتحادرُ علَى لِحيتِه فمُطِرنا يوم ذلِكَ ومنَ الغدِ والَّذي يليهِ حتَّى الجُمعةِ الأُخرى فقامَ ذلِك الأعرابيُّ أو قالَ غيرُه فقالَ يا رسولَ اللَّهِ تَهدَّمَ البِناءُ وغرِقَ المالُ فادعُ اللَّهَ لنا فرفَعَ رسولُ اللَّهِ صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ يدَيهِ فقالَ اللَّهمَّ حوالَينا ولا علَينا فما يُشيرُ بيدِه إلى ناحيةٍ منَ السَّحابِ إلَّا انفَرجَت …
وأخرجه البخاري (933)، ومسلم (897) باختلاف يسير
وما زالت إجابة الداعين أمراً مشهوداً إلى يومنا هذا لمن صدق اللجوء إلى الله تعالى وأتى بشروط الإجابة
قال تعالى : أَمَّن يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الْأَرْضِ ۗ أَإِلَٰهٌ مَّعَ اللَّهِ ۚ قَلِيلًا مَّا تَذَكَّرُونَ النمل : 62
ويدخل في أدلة الحس ما أيد الله به رسله من المعجزات
الثاني: الإيمان بربوبيته:
أي بأنه وحده الرب لا شريك له ولا معين.
له الخلق والملك ، والأمر ، فلا خالق إلا الله ، ولا مالك إلا هو ، ولا أمر إلا له
وهو مدبر الكون وهو يحيي ويميت وهو الرزاق لا رازق إلا هو
الثالث: الإيمان بألوهيته:
أي ( بأنه وحده الإله الحق لا شريك له) و “الإله” بمعنى المألوه” أي “المعبود حباً وتعظيماً ، وقال الله تعالى: وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لا إِلَهَ إِلا هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ (البقرة:163)وقال تعالى: شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلا هُوَ وَالْمَلائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِماً بِالْقِسْطِ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (آل عمران:18)
وقال عن يوسف أنه قال لصاحبي السجن: أَأَرْبَابٌ مُتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ * مَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِهِ إِلا أَسْمَاءً سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ أَمَرَ أَلا تَعْبُدُوا إِلا إِيَّاهُ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ (يوسف:39-40). ولهذا كانت الرسل عليهم الصلاة والسلام يقولون لأقوامهم اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ ولكن أبى ذلك المشركون ، واتخذوا من دون الله آلهة ، يعبدونها مع الله سبحانه وتعالى، ويستنصرون بها ، ويستغيثون بها.
الرابع : الإيمان بأسمائه وصفاته :
أي ( إثبات ما أثبته الله لنفسه في كتابه ، أو سنة رسوله صلى الله عليه وسلم من الأسماء والصفات على الوجه اللائق به من غير تحريف ، ولا تعطيل ، ولا تكييف ، ولا تمثيل ، قال الله تعالى : وَلِلَّهِ الأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (الأعراف:180)وقال: ) وَلَهُ الْمَثَلُ الْأَعْلَى فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ)(الروم:الآية27) وقال:(لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ)(الشورى:الآية11).
الإيمان بالملائكة
الإيمان بالملائكة هو الركن الثاني من أركان الإيمان، وهو داخل في صفات أهل الإيمان أي أنهم يؤمنون بالغيب كما قال الله -عز وجل-: (هُدًى لِلْمُتَّقِينَ * الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ)[البقرة: 2-3] أي بكل ما غاب عنهم مما أخبرتهم به رسل الله
ومن أدلة الإيمان بالملائكة قول الله تعالى : (آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ)[البقرة:285]، وقد جاء ما يدل على أن عدم الإيمان بهذا الأصل كفرٌ ناقل من الملة
والإيمان بالملائكة هو إيمانٌ بكل ما جاء عنهم في القرآن أو السنة من ذكرٍ لأسمائهم، أو أعدادهم، أو أوصافهم، أو أعمالهم؛ إجمالًا وتفصيلً
فيقتضي الإيمان بالملائكة أننا نؤمن بأسمائهم جملة وتفصيلا فنؤمن بمن سمى الله منهم كجبريل وميكائيل وإسرافيل، ومالك خازن النار، ورضوان خازن الجنة، ومنكر ونكير ومن لم نعلم اسمه منهم نؤمن بهم
وفيما يتعلق بأعدادهم فلا يعلم عددهم إلا الله الذي خلقهم قال الله تعالى : (وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلَّا هُو) المدثر31
والنصوص تدل على أن عددهم كبير جدا جاء في الحديث عن النبي عليه الصلاة والسلام:
« البيت المعمور في السماء السابعة يدخله كل يوم سبعون ألف ملك ثم لا يعودون إليه حتى تقوم الساعة«
رواه أحمد و صححه الشيخ الألباني في صحيح الجامع رقم ٢٨٩١
وفي حديث النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: « أَطَّتِ السَّمَاءُ وَحُقَّ لَهَا أَنْ تَئِطَّ، مَا فِيهَا مَوْضِعُ أَرْبَعِ أَصَابِعَ إِلَّا عَلَيْهِ مَلَكٌ سَاجِدٌ« ، وذكر نبينا عليه الصلاة والسلام -كما في صحيح مسلم- الملائكة الذين يجرون جهنم إلى أرض المحشر فقال:
« يُؤْتَى بِجَهَنَّمَ يَوْمَئِذٍ لَهَا سَبْعُونَ أَلْفَ زِمَامٍ، مَعَ كُلِّ زِمَامٍ سَبْعُونَ أَلْفَ مَلَكٍ يَجُرُّونَهَا »
وقال النبي -صلى الله عليه وسلم-: « الْمَلائِكَةُ لَيْلَةَ الْقَدْرِ فِي الأَرْضِ أَكْثَرُ مِنْ عَدَدِ الْحَصَى » الحديث رواه ابن خزيمة وحسنه ابن حجر وحسنه الألباني
والإيمان بالملائكة يتضمن الإيمان بأوصافهم فنؤمن بكل ما وصفهم الله في كتابه وما وصفهم رسول الله في سنته إجمالًا أو تفصيلاً
فإنهم خلقٌ من خلق الله خلقهم الله -جل وعلا- من نور كما في حديث عَائِشَةَ : قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم : “خُلِقَتِ الْمَلائِكَةُ مِنْ نُورٍ، وَخُلِقَ الْجَانُّ مِنْ مَارِجٍ مِنْ نَارٍ، وَخُلِقَ آدَمُ مِمَّا وُصِفَ لَكُم” رواه مسلم 2996
وهم لا يأكلون ولا يشربون ولا يتناسلون وهم عباد مكرمون، لا يعصون الله ما أمرهم، ويفعلون ما يؤمرون، وليس لهم من خصائص الربوبية والألوهية شيء
قال الله تعالى : (وَلَا يَأْمُرَكُمْ أَن تَتَّخِذُوا الْمَلَائِكَةَ وَالنَّبِيِّينَ أَرْبَابًا ۗ أَيَأْمُرُكُم بِالْكُفْرِ بَعْدَ إِذْ أَنتُم مُّسْلِمُونَ) (آل عمران 80)
وجعلهم الله رسلا أُولِي أَجْنحة قال عز وجل: (جَاعِلِ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا أُولِي أَجْنِحَةٍ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ * يَزِيدُ فِي الْخَلْقِ مَا يَشَاءُ ۚ إِنَّ اللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ)[فاطر:1]
وفي الحديث أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: « رأيت جبريل وقد سدَّ الأفق، وله ستمائة جناح« .
وفي الحديث قال عليه الصلاة والسلام :
« أُذِنَ لِي أَنْ أُحَدِّثَ عَنْ مَلَكٍ مِنْ مَلَائِكَةِ اللَّهِ مِنْ حَمَلَةِ الْعَرْشِ، إِنَّ مَا بَيْنَ شَحْمَةِ أُذُنِهِ إِلَى عَاتِقِهِ مَسِيرَةُ سَبْعِ مِائَةِ عَامٍ«
رواه أبو داود (4727) وصححه الألباني في السلسلة الصحيحة
وقد يتحول الملك بأمر الله تعالى إلى هيئة رجل ، كما حصل لجبريل حين أرسله تعالى إلى- مريم – فتمثل لها بشراً سوياً ، وحين جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم وهو جالس في أصحابه جاءه بصفة رجل شديد بياض الثياب شديد سواد الشعر لا يرى عليه أثر السفر ، ولا يعرفه أحد من الصحابة
وكذلك الملائكة الذين أرسلهم الله تعالى إلى إبراهيم، ولوط كانوا في صورة رجال
وإن للملائكة قلوب فتشفق من ربها وتحب وتبغض كذلك لهم عقول ويتكلمون
قال الله تعالى : (لَا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ * يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى وَهُمْ مِنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ) [الأنبياء: 27-28].
وقال الله تعالى : (حَتَّى إِذَا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ قَالُوا مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ قَالُوا الْحَقَّ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ) [سبأ:23]
وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ -صلى الله عليه وسلم- قال: « إِذَا أحَبَّ اللهُ الْعَبْدَ نَادَى جِبْرِيلَ: إِنَّ اللهَ يُحِبُّ فُلانًا فَأحْبِبْهُ، فَيُحِبُّهُ جِبْرِيلُ، فَيُنَادِي جِبْرِيلُ فِي أهْلِ السَّمَاءِ: إِنَّ اللهَ يُحِبُّ فُلانًا فَأحِبُّوهُ، فَيُحِبُّهُ أهْلُ السَّمَاءِ، ثُمَّ يُوضَعُ لَهُ الْقَبُولُ فِي الأرْضِ » [البخاري (3209)].
ويتضمن كذلك الإيمان بالملائكة الإيمان بأعمالهم ووظائفهم
فقد جعل الله الملائكة تقوم على تدبير بعض أمور الدنيا والآخرة بإذنه، قال سبحانه : (فَالْمُدَبِّرَاتِ أَمْرًا) [النازعات: 5]، وهم الملائكة، الذين وكلهم الله أن يدبروا كثيرًا من أمور المخلوقات، من الأمطار، والنبات، والرياح، والبحار، والأجنة، والحيوانات، والجنة، والنار وكل ذلك يقع بإذن الله عز وجل
فإنهم جنودٌ لله، ورسلٌ يأتمرون بأمر الله، لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون ونؤمن بما أوكلهم الله من أعمال، فجبريلُ -عليه السلام- موكَلٌ بتبليغ الوحي، وميكائيلُ موكلٌ بالقطر أي بالمطر والنبات، وإسرافيلُ موكلٌ بالنفخ في الصور عند قيام الساعة وبعث الخلق،
، قال -سبحانه-: (وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَى فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنْظُرُونَ) [الزمر: 68]،
قال -صلى الله عليه وسلم-:
« كَيْفَ أَنْعَمُ وَصَاحِبُ الصُّورِ قَدِ الْتَقَمَ الصُّورَ، وَحَنَى جَبْهَتَهُ، وَأَصْغَى سَمْعَهُ، يَنْتَظِرُ مَتَى يُؤْمَرُ«
فهاتان نفختان من إسرافيل، بالأولى مات جميع من في الأرض والسموات حتى يكون آخر من يموت ملك الموت، وينفرد الحي القيوم بالبقاء، كما قال -سبحانه-: (كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ لَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ) [القصص: 88] وبالأخرى بعث جميع المخلوقات.
وملائكةٌ موكل بحمل العرش، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم « يَحْمِلُهُ اليَوْمَ أرْبَعَةٌ، وَيَوْم القِيامَةِ ثَمَانِيَةٌ »
قال الله تعالى : (وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمَانِيَةٌ) (الحاقة 17)
والله لا يحتاج إلى شيء من مخلوقاته
وكذلك هناك ملائكةٌ موكل بالأجنّة في الأرحام إذا تم للإنسان أربعة أشهر في بطن امه ، بعث الله إليه ملكاً وأمره بكتب رزقه ، وأجله ، وعمله ، وشقي أم سعيد، ومنهم مُوكّل بقبض الأرواح، ومنهم ملائكة تحضر الجمعة وتكتب الأول فالأول وتستمع الذكر
ومنهم ملائكة موكل بحفظ أعمال بني آدم وكتابتها لكل شخص ، ملكان : أحدهما عن اليمين، والثاني عن الشمال.
(مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ)[ق:18]
وقال -سبحانه-: (أَمْ يَحْسَبُونَ أَنَّا لَا نَسْمَعُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُمْ بَلَى وَرُسُلُنَا لَدَيْهِمْ يَكْتُبُونَ) [الزخرف: 80].
ومنهم من وكل إليه حفظ العباد (لَهُ مُعَقِّبَاتٌ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ)[الرعد:11]
ومنهم مالك الموكل بالنار وهو خازن النار ومعه خزنة جهنم، قال الله تعالى
(عَلَيْهَا تِسْعَةَ عَشَرَ (30) وَمَا جَعَلْنَا أَصْحَابَ النَّارِ إِلَّا مَلَائِكَةً ۙ وَمَا جَعَلْنَا عِدَّتَهُمْ إِلَّا فِتْنَةً لِّلَّذِينَ كَفَرُوا)
ومنهم خازن الجنة و منْهمُ الْمُوَكَّلُونَ بالْجِنانِ ، وَإِعْدَاد الْكَرَامَةِ لِأَهْلِهَا
ومنهم الملائكة الموكلون بالجبال ملائكة يقومون عليها.
ومنهم الملائكة الموكلون بسؤال الميت إذا وضع في قبره يأتيه ملكان يسألانه عن ربه، ودينه، ونبيه إلى غير ذلك من وظائف الملائكة
الإيمان بالكتب
والإيمان بالكتب هو الركن الثالث من أركان الإيمان؛ قال الله تعالى: ﴿قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَث وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَمَا أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ﴾ [البقرة:136]، وقال الله تعالى: ﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ﴾ [البقرة:285]
وقال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي نَزَّلَ عَلَى رَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي أَنْزَلَ مِنْ قَبْلُ وَمَنْ يَكْفُرْ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا بَعِيدًا﴾ [النساء:136] والآيات في هذا المعنى كثيرة .
والإيمان بالكتب هو التصديق الجازم بأن لِلَّه -تعالى-كتبا أنزلها على رسله إلى عباده، وأن هذه الكتب كلام الله تعالى تكلّم بها حقيقة كما يليق به سبحانه، وأن هذه الكتب فيها الحق والنور والهدى للناس في الدارين.
والإيمان بالكتب يتضمن أربعة أمور:
الأول: الإيمان بأن نزولها من عند الله حقاً.
الثاني: الإيمان بما علمنا اسمه منها باسمه كالقرآن الذي نزل على محمد صلى الله عليه وسلم، والتوراة التي أنزلت على موسى صلى الله عليه وسلم، والإنجيل الذي أنزل على عيسى صلى الله عليه وسلم، والزبور الذي أوتيه داود صلى الله عليه وسلم وأما لم نعلم اسمه فتؤمن به إجمالاً.
الثالث: تصديق ما صح من أخبارها، كأخبار القرآن، وأخبار ما لم يبدل أو يحرف من الكتب السابقة.
الرابع: العمل بأحكام ما لم ينسخ منها، والرضا والتسليم به سواء فهمنا حكمته أم لم نفهمها، وجميع الكتب السابقة منسوخة بالقرآن العظيم قال الله تعالى: {وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقاً لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِناً عَلَيْهِ} [المائدة 48] أي “حاكماً عليه” وعلى هذا فلا يجوز العمل بأي حكم من أحكام الكتب السابقة إلا ما صح منها وأقره القرآن.
والقرآن يتميز عن الكتب المنزلة من قبل بمزايا منها
1- أن القرآن الكريم جاء مؤيِّدا ومصدقا لما جاء في الكتب السابقة من الأمر بعبادة الله وحده، وناسخا لجميع الشرائع قبله، قال تعالى: (وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ) [المائدة: 48].
2- أن هذا القرآن العظيم يجب على جميع الناس التمسك به، ويتعيّن على جميع الثقلين اتباع القرآن والعمل به، بخلاف الكتب السابقة فهي لأقوام معينين، قال تعالى: (قُلْ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهَادَةً ۖ قُلِ اللَّهُ ۖ شَهِيدٌ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ ۚ وَأُوحِيَ إِلَيَّ هَٰذَا الْقُرْآنُ لِأُنذِرَكُم بِهِ وَمَن بَلَغَ) [الأنعام: 19].
قال تعالى: (تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا) الفرقان 1
وقال تعالى: (إن هو إلا ذكرى للعالمين) (يوسف: 104)
3- أن الله -تعالى- قد تكفّل بحفظ القرآن الكريم، فلم تمتد إليه يد التحريف كما قال سبحانه : (إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ) [الحجر: 9].
فهو محفوظ منذ اللحظة الأولى لنزوله وحتى يومنا هذا وإلى أن يرث الله الأرض ومن عليها، لا زيادة فيه ولا نقصان، منقول بالتواتر، لم يختلف في عصر من العصور في سورة ولا آية ولا في كلمة واحدة منه، قال الله تعالى : (لا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ)[فصلت: 42].
والباطل : « هو إبليس ، لا يقدر أن يزيد فيه ما ليس منه ولا أن ينقص منه ما هو منه » كما في تفسير البغوي
ويقول القاضي عياض رحمه الله: « اعلم أن من استخفّ بالقرآن، أو المصحف، أو بشيءٍ منه، أو سبّهما، أو جحده، أو حرفاً منه أو آيةً، أو كذّب به، أو بشيءٍ منه، أو كذّب بشيءٍ مما صرح به فيه من حكم، أو خبر، أو أثبت ما نفاه، أو نفى ما أثبته علـى علمٍ منه بذلك، أو شك في شيءٍ من ذلك فهو كافر عند أهل العلم بإجماعٍ » الشفا (٢٨٧/٢)
وهذا بخلاف الكتب السابقة التي وكل الله حفظها إلى الأحبار ، قال تعالى: (إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هَادُوا وَالرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ بِمَا اسْتُحْفِظُوا مِنْ كِتَابِ اللَّهِ) {المائدة:44}.
فغيروا فيها وبدلوا فنالها التحريف وقد أخبرنا الله -تعالى- في القرآن الكريم عن هذا فقال تعالى: (مِّنَ الَّذِينَ هَادُواْ يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَن مَّوَاضِعِهِ) [النساء: 46].
وقال تعالى : (وَإِنَّ مِنْهُمْ لَفَرِيقًا يَلْوُونَ أَلْسِنَتَهُم بِالْكِتَابِ لِتَحْسَبُوهُ مِنَ الْكِتَابِ وَمَا هُوَ مِنَ الْكِتَابِ وَيَقُولُونَ هُوَ مِنْ عِندِ اللّهِ وَمَا هُوَ مِنْ عِندِ اللّهِ وَيَقُولُونَ عَلَى اللّهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ) [آل عمران: 78].
وقال تعالى : (أَفَتَطْمَعُونَ أَن يُؤْمِنُوا لَكُمْ وَقَدْ كَانَ فَرِيقٌ مِّنْهُمْ يَسْمَعُونَ كَلَامَ اللَّهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ مِن بَعْدِ مَا عَقَلُوهُ وَهُمْ يَعْلَمُونَ) [البقرة : 75]
فلا ينبغي للمسلم أن يقرأ في شيء من الكتب السابقة والرسول روي عنه ﷺ أنه لما رأى عمر يقرأ في شيء من الكتب السابقة، فقال: يا ابنَ الخطَّابِ، أمُتَهَوِّكون (أمُتَحَيِّرون) أنتُم!؟… فوالذي نفسي بيده، لقد جئتكم بها بيضاء نقية.”البيهقي في ((شعب الإيمان)) (178)
ونؤمن فيما يخص القرآن آخر الكتاب المنزل أنه كلام الله غير مخلوق منه بدأ وإليه يعودُ
فهو كلام الله كما قال تعالى: (وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ) [التوبة: 6]
وقال الحافِظ الحكَميُّ: (النصوصُ من الكِتابِ والسُّنَّةِ وإجماعِ الأُمَّةِ على أنَّ القُرْآنَ كَلامُ اللهِ تكلَّم به حقيقةً…)
(1/325) ((معارج القبول))
وقال ابنُ قُدامةَ: (من كلامِ اللهِ سُبحانَه القُرْآنُ العظيمُ، وهو كِتابُ اللهِ المُبِينُ، وحَبلُه المتينُ، وصراطُه المستقيمُ، وتنزيلُ رَبِّ العالَمين، نزل به الرُّوحُ الأمينُ على قَلبِ سَيِّد المُرسَلين بلسانٍ عَربيٍّ مُبِينٍ، مُنَزَّلٌ غَيرُ مخلوقٍ، منه بدأ وإليه يعودُ، وهو سُوَرٌ مُحكَماتٌ، وآياتٌ بَيِّناتٌ، وحُروفٌ وكَلِماتٌ…)
((لمعة الاعتقاد)) (ص: 18)
وقال ابنُ تيميَّةَ: («منه بدأ» لا من بعضِ المخلوقاتِ “وإليه يعودُ” أي: فلا يبقى في الصُّدورِ منه آيةٌ، ولا في المصاحِفِ حَرفٌ)
((مجموع الفتاوى)) (12/561).
الإيمان بالرسل
والركن الرابع من أركان الإيمان هو الإيمان بجميع الرسل والأنبياء
والرسول من أوحي إليه بشرع وأمر بتبليغه والنبي هو من أوحي إليه بشرع ولكن لم يؤمر بتبليغه
والكفر برسول واحد كفرٌ بجميع الرسل والتكذيب برسول واحد تكذيباً بجميع الرسل وذلك لأن الرسل حملة لدعوة واحدة وهي الدعوة إلى توحيد الله قال الله تعال : “وما أرسلنا من قبلك من رسول إلا نوحي إليه أنه لا إله إلا أنا فاعبدون“
وقال صلى الله عليه وسلم :”الأنبياءُ إخوَةٌ لعَلَّاتٍ: دِينُهم واحِدٌ، وأُمَّهاتُهم شَتَّى” أخرجه البخاري (3443)
“دينهم واحد” وهو توحيد الله والإخلاص له، وهو معنى لا إله إلا الله “وأُمَّهاتُهم شَتَّى” أي أن شرائعهم تختلف
فمن كذب برسالة واحد منهم فقد كذب بالجميع.
قال الله تعالى : (إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيُرِيدُونَ أَنْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ اللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ وَيُرِيدُونَ أَنْ يَتَّخِذُوا بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلاً * أُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ حَقًّا) [النساء: 150-151].
وكما قال الله تعالى: {كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ الْمُرْسَلِينَ} [سورة الشعراء، الآية: ١٠٥] فجعل الله قوم نوح مكذبين لجميع الرسل مع أن نوح هو أول الرسل
فالمؤمنون يؤمنون إيمانًا راسخًا بالرسل والأنبياء عليهم السلام، وقد وصف الله في القرآن الكريم إيمان المؤمنين، قال تعالى: (قُلْ آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَالنَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ) [آل عمران: 84].
وقال تعالى: (آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ) [البقرة: 285].
فلا ينبغي أن نفرّق بين الأنبياء أي أن نؤمن ببعض ونكفر ببعض قال الله تعالى: (وَالَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَلَمْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ أُولَئِكَ سَوْفَ يُؤْتِيهِمْ أُجُورَهُمْ) [النساء: 152].
-ونعتقد فيهم أنهم بشر مخلوقون ليس لهم من خصائص الربوبية والألوهية شيء، قال الله تعالى (وَلَا يَأْمُرَكُمْ أَن تَتَّخِذُوا الْمَلَائِكَةَ وَالنَّبِيِّينَ أَرْبَابًا ۗ أَيَأْمُرُكُم بِالْكُفْرِ بَعْدَ إِذْ أَنتُم مُّسْلِمُونَ) (80)
وتلحقهم خصائص البشرية من المرض، والموت، والحاجة إلى الطعام والشراب، وغير ذلك، قال الله تعالى عن إبراهيم عليه الصلاة والسلام في وصفه لربه تعالى: (وَالَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ وَالَّذِي يُمِيتُنِي ثُمَّ يُحْيِينِ) سورة الشعراء، الآيات٧٩-٨١
وقال النبي صلى الله عليه وسلم: “إنما أنا بشرٌ ، أَنسى كما تنسَون ، فإذا نسيتُ فذَكِّروني”
أخرجه البخاري ومسلم
ونعتقد فيهم أنهم أفضل البشر على الإطلاق وأنه ما خلا قوم من نبي يدعوهم إلى الله
قال تعالى: (وَإِنْ مِنْ أُمَّةٍ إِلَّا خَلا فِيهَا نَذِيرٌ) [سورة فاطر، الآية: ٢٤]
بل إن الله من رحمته سبحانه بعباده كان يرسل أحيانا إلى الأمة الواحدة أنبياء يتعاقبون فيهم بل قد يجتمعون قال تعالى : (وَاضْرِبْ لَهُم مَّثَلًا أَصْحَابَ الْقَرْيَةِ إِذْ جَاءَهَا الْمُرْسَلُونَ إِذْ أَرْسَلْنَا إِلَيْهِمُ اثْنَيْنِ فَكَذَّبُوهُمَا فَعَزَّزْنَا بِثَالِثٍ فَقَالُوا إِنَّا إِلَيْكُم مُّرْسَلُونَ)
وعدد الأنبياء والرسل لا يعلمه إلا الله،
قد جاء حديث ولكن اختلف في صحته وهو التالي :
عن أبي ذر الغفاري رضي الله عنه قال: قلت: يا رسول الله كم وفاءُ عِدّة الأنبياء؟ قال صلى الله عليه وسلم: « مائة ألف وأربعة وعشرون ألفا الرسل من ذلك ثلاثمائة وخمسة عشر جما غفيرا » وقد صححه الألباني
وأول الرسل من ذرية آدم نوح -عليه السلام-، قال تعالى: (إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ) [النساء: 163]، وآخرهم محمد -صلى الله عليه وسلم
فمنهم من بيَّن الله أسماءهم في القرآن، وقصَّ علينا أخبارهم وهم خمسة وعشرون، ذُكروا بأسمائهم فنؤمن بهؤلاء جميعًا، وبما جاء من أخبارهم وقصصهم، وأما من لم نعلم أسمه منهم فنؤمن به إجمالاً
قال -سبحانه-: (وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلاً مِنْ قَبْلِكَ مِنْهُمْ مَنْ قَصَصْنَا عَلَيْكَ وَمِنْهُمْ مَنْ لَمْ نَقْصُصْ عَلَيْكَ) [غافر: 78].
ونعتقد فيهم أنهم ليسوا على مرتبة واحدة، بل يختلفون في الرتبة فيما بينهم، فالله -عزَّ وجلَّ- فضَّل بعض الرسل على بعض، وخصَّ بعضهم بخصائص لم توجد في غيرهم، قال
الله تعالى: (تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ اللَّهُ وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجَاتٍ) [البقرة: 253]
وأفضل أنبياء الله ورسله الخمسة الموصوفون بأولي العزم من الرسل، والذين ذكرهم الله في قوله جل وعلا 🙁فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُولُو الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ) [الأحقاف: 35]
وفي قوله تعالى : (وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثَاقَهُمْ وَمِنْكَ وَمِنْ نُوحٍ وَإِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ وَأَخَذْنَا مِنْهُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا) [الأحزاب: 7].
وأفضل الرسل هو نبينا محمد صلى الله عليه وسلم فهو أفضل البشر وقد جاء أنه قال صلى الله عليه وسلم : « أَنَا سَيِّدُ وَلَدِ آدَمَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ » رواه مسلم (4223)
ويقتضي الإيمان بهم العمل بشريعة مَن أرسل إلينا منهم، وهو محمد صلى الله عليه وسلم، المرسل إلى الناس كافة وهو خاتم الأنبياء والمرسلين، لا نبي بعده قال -جل وعلا-: (مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا) [الأحزاب: 40]. وقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم-: « أُعْطِيتُ خَمْسًا لَمْ يُعْطَهُنَّ أَحَدٌ مِنَ الأَنْبِيَاءِ قَبْلِي: منها.. وَكَانَ النَّبِيُّ يُبْعَثُ إِلَى قَوْمِهِ خَاصَّةً، وَبُعِثْتُ إِلَى النَّاسِ كَافَّةً » [البخاري (438)].
وفي بعض الأحاديث كما ذكره ابن كثير: « لو كان موسى وعيسى حَيَّيْن، لما وسعهما إلا اتّباعي«
فلقد أخذ الله العهد والميثاق على النبيّين الذين بعثوا قبل رسول الله محمد صلى الله عليه وسلم أن يؤمنوا هم وأممهم به ويتّبعوه إن هم أدركوه . قال الله: وَإِذْ أَخَذَ اللهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ لَـمَا آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتٰبٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ
قال علي بن أبي طالب وابن عمه عبد الله بن عباس ، رضي الله عنهما : « ما بعث الله نبيا من الأنبياء إلا أخذ عليه الميثاق ، لئن بعث محمد وهو حي ليؤمنن به ولينصرنه ، وأمره أن يأخذ الميثاق على أمته : لئن بعث محمد [ صلى الله عليه وسلم ] وهم أحياء ليؤمنن به ولينصرنه«
ولهذا فإن من أعرض عن رسالة محمّد صلى الله عليه وسلم
فقد ضلّ سواء السبيل، ولو كان متبعًا نبيًّا غيره بزعمه؛ لذلك قال الله سبحانه و تعالى بعد آية الميثاق المذكورة
(فَمَنْ تَوَلَّى بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفٰسِقُـونَ)
الإيمان باليوم الآخر
الإيمان باليوم الآخر هو الإيمان بكل ما أخبر به النبي صلى الله عليه وسلم مما يكون بعد الموت
ولا يصح إيمان عبد حتى يعلم ويتيقن دون ريب ولا تردد أنه سوف يرجع إلى ربه ويحاسب على ما قام من العمل
قال تعالى : (زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَن لَّن يُبْعَثُوا قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتُبْعَثُنَّ ثُمَّ لَتُنَبَّؤُنَّ بِمَا عَمِلْتُمْ وَذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ) [التغابن:7].
قال الله تعالى : (كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنْتُمْ أَمْوَاتًا فَأَحْيَاكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ) (البقرة:28)
والإيمان باليوم الآخر يتضمن ثلاثة أشياء :الإيمان بالبعث ، الإيمان بالحساب والجزاء ، الإيمان بالجنة والنار
ومن أدلة البعث
قال الله -جل وعلا-: (وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَمَنْ فِي الأَرْضِ إِلاَّ مَنْ شَاءَ اللَّهُ ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَى فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنْظُرُونَ * وَأَشْرَقَتْ الأَرْضُ بِنُورِ رَبِّهَا وَوُضِعَ الْكِتَابُ وَجِيءَ بِالنَّبِيِّينَ وَالشُّهَدَاءِ وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْحَقِّ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ * وَوُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ وَهُوَ أَعْلَمُ بِمَا يَفْعَلُونَ) [الزمر:68-70] .
قال الله تعالى: (كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ وَعْداً عَلَيْنَا إِنَّا كُنَّا فَاعِلِينَ) [سورة الأنبياء، الآية: ١٠٤] . قال الله تعالى: (ثُمَّ إِنَّكُمْ بَعْدَ ذَلِكَ لَمَيِّتُونَ ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ تُبْعَثُونَ) [المؤمنون، الآيتين: ١٥-١٦] .
وقال النبي صلى الله عليه وسلم: « يحشر الناس يوم القيامة غرلاً » متفق عليه.
وأجمع المسلمون على ثبوته قال الله تعالى: (أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثاً وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لا تُرْجَعُونَ) [المؤمنون، الآية: ١١٥]
ومن أدلة الحساب والجزاء
قال الله تعالى: (إِنَّ إِلَيْنَا إِيَابَهُمْ ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا حِسَابَهُمْ) [سورة الغاشية، الآيتين: ٢٥-٢٦] وقال: (وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئاً وَإِنْ كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ) [سورة الأنبياء، الآية: ٤٧] .
قال اللهُ تعالى: (الْيَوْمَ تُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ لَا ظُلْمَ الْيَوْمَ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ) [غافر: 17] .
الثالث: الإيمان بالجنة والنار،
فنؤمن بأنهما مخلوقتان موجودتان الآن لا تفنيان أبداً هذا هو معتقد أهل السنة والجماعة
فالجنة دار النعيم التي أعدها الله تعالى للمؤمنين المتقين. فيها من أنواع النعيم ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر”. قال الله تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ جَزَاؤُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَداً رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ رَبَّهُ) [سورة البينة، الآيتين: ٧-٨] .
وقال تعالى في النار
(وَمَن يَعْصِ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُۥ يُدْخِلْهُ نَارًا خَٰلِدًا فِيهَا وَلَهُۥ عَذَابٌ مُّهِينٌ) (14) (النساء)
وترتيب أحداث ذلك اليوم يكون على النحو التالي وهو الذي قرَّرَهُ المحققون من أهل العلم
أولا إذا مات ابن آدم فقد قامت قيامته
فالقبر هو أول منازل الآخرة ويكون فيه سؤال الملكين عن ربه ودينه ونبيه
فقد قال رسولَ اللَّهِ صلَّى اللَّهُ علَيهِ وسلَّمَ : « إنَّ القبرَ أوَّلُ مَنازلِ الآخرةِ ، فإن نجا منهُ ، فما بعدَهُ أيسرُ منهُ ، وإن لم يَنجُ منهُ ، فما بعدَهُ أشدُّ منهُ »
فثمة بعد السؤال عذاب لمن لم يجب ونعيم في القبر لمن ثبته الله وأجاب
ثم ينفخ في الصور نفخة البعث؛ فتعاد الأرواح إلى أجسادها
ويقف الناس في أرض المحشر حفاة عراة غرلا, تدنو منهم الشمس قدر ميل, ويلجمهم العرق كل بحسب عمله, ولكن الله يخفف على عباده المؤمنين في ذلك اليوم الذي مدته خمسون ألف سنة
يظل طائفة منهم في ظل عرشه يوم لا ظل إلا ظله
فإذا طال المقام رَفَعَ الله عز وجل لنبيه صلى الله عليه وسلم حوضه الذي من شرب منه شربة لم يضمأ بعدها أبدا
ثم الشفاعة العظمة التي يهبها الله النبي وهو المقام المحمود الذي قال فيه سبحانه: عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا [الإسراء:79]
فهو مقام يحمده عليه الأولون والآخرون، ويعترفون للرسول بالفضل صلوات الله وسلامه عليه.
ثم يبدأ الحساب ويوضع الميزان؛ ليوزن عمل كل إنسان
ثم يحشر الكافرون إلى النار
ثم ينصب الصراط على متن جهنم،
والصراط وهو شديد الظلمة, أدَقُّ مِنَ الشَّعْرَةِ، وأَحَدُّ مِنَ السَّيْفِ, دَحْضٌ مَزِلَّةٌ، فيه خَطاطِيفُ وكَلالِيبُ وحَسَكٌ, ويعبر كل أحد من الأنبياء وأتباعهم من المؤمنين على قدر أعمالهم
فحينئذ ترى المؤمنين والمؤمنات، يسعى نورهم بين أيديهم وبأيمانهم، فيمشون كل على قدر إيمانه
ويلقى المنافقون في نار جهنم خالدين فيها
ومن أتباع الرسل نَاجٍ مُسَلَّمٌ، ونَاجٍ مَخْدُوشٌ، ومَكْدُوسٌ في نَارِ جَهَنَّمَ، حتَّى يَمُرَّ آخِرُهُمْ يُسْحَبُ سَحْبًا
ثم القنطرة تكون بعد مجاوزة النار فيُقَصُّ لبَعضِه من بَعضٍ مَظالِمُ كانت بينَهم في الدُّنيا حَتَّى إذا هُذِّبوا ونُقُّوا أُذِنَ لهم في دُخولِ الجَنةِ
ثم يقفون على باب الجنة؛ فلا تفتح أبوابها إلا للنبي (صلى الله عليه وسلم)؛ فإذا فتحت أبواب الجنة كان النبي (صلى الله عليه وسلم) أول الناس دخولا إليها, وكانت أمته أول الأمم دخولا, ثم يتبعهم سائر الأمم.
فإذا استقر اهل الجنة فيها تذاكروا إخوانهم الذين كانوا معهم في الدنيا ممن لم يعبروا الصراط, فاستفقدوهم فوجدوهم في النار؛ فيستشفعون لهم؛ فيشفع الله فيهم من يشاء ويرضى من الملائكة والأنبياء والصالحين؛ فيخرجون منهم من عرفوه بآثار الطاعة والعبادة, حتى إذا بقي في النار من الموحدين ممن لم يعمل خيرا قط؛ يشفع الجبار فيهم فيخرجهم من النار بغير عمل عملوه ولا خير قدموه, فيدخلهم الجنة, ويعطيهم الدنيا وعشر أمثالها معها, ويبقى في الجنة فضلة ينشيء لها أقواما فيسكنهم إياها برحمته وفضله.
ويدخل في ذلك اليوم كذلك أشراط الساعة
ومن يؤمن بهذا الركن إيمانا صادقا يعلم يقينا أنه لا بد أن يستعد لهذا اليوم العظيم
فقد قال الله تعالى : (يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ * يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى وَمَا هُمْ بِسُكَارَى وَلَكِنَّ عَذَابَ اللَّهِ شَدِيدٌ)[الْحَجِّ: 1-2] وهو يوم يجمع الله فيه الأولين والآخرين، ويلتقي فيه أهل السماوات والأرضين، (ذَلِكَ يَوْمٌ مَجْمُوعٌ لَهُ النَّاسُ وَذَلِكَ يَوْمٌ مَشْهُودٌ * وَمَا نُؤَخِّرُهُ إِلَّا لِأَجَلٍ مَعْدُودٍ * يَوْمَ يَأْتِ لَا تَكَلَّمُ نَفْسٌ إِلَّا بِإِذْنِهِ فَمِنْهُمْ شَقِيٌّ وَسَعِيدٌ)[هُودٍ: 103-105].
كيف يستعد العبد؟
فإن أعظم ما يقدِّمه العبدُ للقاء الله -جل جلاله-، هو توحيده وإفراده بالعبادة، (الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ)[الْأَنْعَامِ: 82]، وفي الحديث القدسي يقول الرب -جل جلاله-: « يا ابن آدم إنك لو أتيتني بقراب الأرض خطايا ثم لقيتني لا تشرك بي شيئا لأتيتك بقرابها مغفرة »
الإيمان بالقدر خيره وشره
وأدلة هذا الركن من القرآن معلومة
فقد قال الله عز وجل: ﴿إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ﴾ [القمر:49] ، وقال تعالى: ﴿ثُمَّ جِئْتَ عَلَى قَدَرٍ يَا مُوسَى﴾ [طه:40]، وقال تعالى: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى (1) الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى (2) وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدَى﴾ [الأعلى:1-3]، وقال تعالى: ﴿وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ قَدَرًا مَقْدُورًا﴾[الأحزاب:38] وقال تعالى : ﴿قُل لَّن يُصِيبَنَا إِلاَّ مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا هُوَ مَوْلانَا﴾ [التوبة:51] والآيات في هذا المعنى كثيرة
وروى مسلم في صحيحه عن عبدالله بن عمر رضي الله عنهما ان النبي صلى الله عليه وسلم قال : « كُلُّ شَيْءٍ بِقَدَرٍ، حَتَّى الْعَجْزُ وَالْكَيْسُ«
وقد جاء عن ابن عباس -رضي الله تعالى عنهما- عند البخاري : « كل شيء بقدر وضْعُكَ يَدَكَ على خدك« .
وفي صحيح مسلم عن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : « كَتَبَ اللَّهُ مَقَادِيرَ الْخَلاَئِقِ قَبْلَ أَنْ يَخْلُقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ بِخَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ « ، وفي الصحيحين عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال حدثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو الصادق المصدوق قال : « إِنَّ أَحَدَكُمْ يُجْمَعُ خَلْقُهُ فِي بَطْنِ أُمِّهِ أَرْبَعِينَ يَوْمًا نطفة ، ثُمَّ يَكُونُ فِي ذَلِكَ عَلَقَةً مِثْلَ ذَلِكَ ، ثُمَّ يَكُونُ فِي ذَلِكَ مُضْغَةً مِثْلَ ذَلِكَ ، ثُمَّ يُرْسَلُ الْمَلَكُ فَيَنْفُخُ فِيهِ الرُّوحَ وَيُؤْمَرُ بِأَرْبَعِ كَلِمَات:ٍ بِكَتْبِ رِزْقِهِ وَأَجَلِهِ وَعَمَلِهِ وَشَقِىٌّ أَوْ سَعِيدٌ ، فَوَالَّذِى لاَ إِلَهَ غَيْرُهُ إِنَّ أَحَدَكُمْ لَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ الْجَنَّةِ حَتَّى مَا يَكُونَ بَيْنَهُ وَبَيْنَهَا إِلاَّ ذِرَاعٌ فَيَسْبِقُ عَلَيْهِ الْكِتَابُ فَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ النَّارِ فَيَدْخُلُهَا ، وَإِنَّ أَحَدَكُمْ لَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ النَّارِ حَتَّى مَا يَكُونَ بَيْنَهُ وَبَيْنَهَا إِلاَّ ذِرَاعٌ فَيَسْبِقُ عَلَيْهِ الْكِتَابُ فَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ الْجَنَّةِ فَيَدْخُلُهَا »
فإنَّهُ يجبُ على كلِّ مسلمٍ أنْ يُؤمِنَ إيمانًا جازمًا لا رَيبَ فيه: أنَّ اللهَ قد قدَّرَ جميعَ ما سَيحصُلُ لِعبادِهِ مِن خيرٍ أو شَرٍّ، وأنَّ ما قدَّرَهُ وقضَاهُ عليهِم واقعٌ لا محَالَة، فقدَّرَ سبحانَه السعادةَ والشَّقاوة، والصِّحَةَ والمرَضَ، والغِنَى والفقرَ، والجوعَ والشِّبعَ، والإنجابَ والعُقْمَ، والسَّفرَ والإقامةَ، والخوفَ والأمَنَ
وإنَّ الإيمان بالقدر نظامُ التوحيد ؛ فلا يستقيم توحيد امرئٍ ولا يصح إيمانه إلا بالإيمان بالقدر ، قال ابن عباس رضي الله عنهما : «الإيمان بالقدَر نظام التّوحيد؛ فمن وحَّد الله وكذَّب بالقدر نقض تكذيبُه توحيدَه».
وصحَّ أنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم قال: « لَنْ يُؤْمِنَ عَبْدٌ حَتَّى يُؤْمِنَ بِالْقَدَرِ خَيْرِهِ وَشَرِّهِ »، وثبتَ أنَّ أُبَيَّ بنَ كعبٍ ــ رضي الله عنه ــ قالَ لِرجلٍ وقعَ في قلبِهِ شيءٌ نحوَ القَدَر: « لَوْ أَنْفَقْتَ مِثْلَ أُحُدٍ ذَهَبًا فِي سَبِيلِ اللَّهِ مَا قَبِلَهُ اللَّهُ مِنْكَ حَتَّى تُؤْمِنَ بِالْقَدَرِ، وَتَعْلَمَ أَنَّ مَا أَصَابَكَ لَمْ يَكُنْ لِيُخْطِئَكَ، وَأَنَّ مَا أَخْطَأَكَ لَمْ يَكُنْ لِيُصِيبَكَ، وَلَوْ مُتَّ عَلَى غَيْرِ هَذَا لَدَخَلْتَ النَّارَ « ، ثُمَّ أتَى هذا الرَّجلُ إلى ابنِ مسعودٍ وحذيفةَ ــ رضي الله عنهما ــ، فقالا لهُ مِثلَ ذلك، ثُمَّ أتَى زيدَ بنَ ثابتٍ ــ رضِي اللهُ عنه ــ فحَدَّثهُ أنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم قالَ مِثلَما قالَ هؤلاءِ الصحابة
وقد يقول قائل “إذا كانت الأمور كلها بقدر الله أفلا يتكل الإنسان على ما كتب له ويدع العمل؟”؛
وقد طرح هذا السؤال وقد أجاب عنه النبي ففي الصحيحين عن علي رضي الله عنه قال : كنا مع النبي صلى الله عليه وسلم في بقيع الغرقد في جنازة فقال صلى الله عليه وسلم : « مَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا وَقَدْ كُتِبَ مَقْعَدُهُ مِنَ النَّارِ أوْ مَقْعَدُهُ مِنَ الْجَنَّةِ » قَالُوا يَا رَسُولَ اللهِ أَفَلَا نَتَّكِلُ عَلَى كِتَابِنَا وَنَدَعُ الْعَمَلَ ؟ قَالَ : ((اعْمَلُوا فَكُلٌّ مُيَسَّرٌ لِمَا خُلِقَ لَهُ؛ أَمَّا مَنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ السَّعَادَةِ فَيُيَسَّرُ لِعَمَلِ أَهْلِ السَّعَادَةِ ، وَأَمَّا مَنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الشَّقَاءِ فَيُيَسَّرُ لِعَمَلِ أَهْلِ الشَّقَاوَةِ »، ثُمَّ قَرَأَ ﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى (5) وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى (6) فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى (7) وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى (8) وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى (9) فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى﴾
[الليل:5-10]
ولا بد في باب القضاء والقدر أن تؤمنوا بمراتبه الأربع، وهي العلم والكتابة والمشيئة والخلق
والمقصود بالعلم أن تؤمنوا أن الله بكل شيء عليم، فلا يخفى على الله مثقال ذرة في السماوات والأرض، فيعلم سبحانه ماذا يعمل العباد وماذا سيفعلون، ويعلم ما تكن صدورهم وما يعلنون.
وَاللَّهُ سبحانه وَتَعَالَى يَعْلَمُ مَا كَانَ وَمَا يَكُونُ، وَمَا لَمْ يَكُنْ لَوْ كَانَ كَيْفَ يَكُونُ، وَهَذَا مُجْمَعٌ عَلَيْهِ عِنْدَ أَئِمَّةِ السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ
فقد قال الله تعالى : (وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا)
[12-الطلاق]
والمقصود بالكتابة أن الله كتب في اللوح المحفوظ عنده مقادير الخلائق قبل خلق السماوات والأرض، فأول ما خلق الله القلم، قال له: اكتب، قال: وما أكتب؟! قال: اكتب ماهو كائن، فجرى في تلك الساعة بما هو كائن إلى يوم القيامة
قال الله تعالى : (إِنَّا نَحۡنُ نُحۡیِ ٱلۡمَوۡتَىٰ وَنَكۡتُبُ مَا قَدَّمُوا۟ وَءَاثَـٰرَهُمۡۚ وَكُلَّ شَیۡءٍ أَحۡصَیۡنَـٰهُ فِیۤ إِمَامࣲ مُّبِینࣲ) [سورة يس : 12]
وقال الله تعالى : ( وَكُلَّ شَیۡءٍ أَحۡصَیۡنَـٰهُ كِتَـٰبࣰا ) [النبأ: 29]
والمقصود بالمشيئة أن تؤمن بمشيئة الله العامة وإرادته الكاملة، فما شاءه الله كان ولابد، وما لم يشأ الله فلا يكون أبداً، فلا يقع شيء في ملكوت الله كبيرا كان أم صغيرا إلا بمشيئة الله وإراداته، قال تعالى: (وَمَا تَشَاءُونَ إِلاَّ أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ) [التكوير: 29]
والمقصود بالخلق: أن تؤمن بأن الله خالق كل شيء ومليكه، وأن كلاً ميسر لما خلق له، وأن الله خالق العباد وأعمالهم؛ قال تعالى: (وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ) [الصافات: 96]
وللإيمان بالقدر ثمرات جليلة منها:
الأولى: الاعتماد على الله تعالى، عند فعل الأسباب بحيث لا يعتمد على السبب نفسه لأن كل شيء بقدر الله تعالى.
الثانية: أن لا يعجب المرء بنفسه عند حصول مراده، لأن حصوله نعمة من الله تعالى، بما قدره من أسباب الخير، والنجاح، وإعجابه بنفسه ينسيه شكر هذه النعمة.
الثالثة: الطمأنينة، والراحة النفسية بما يجرى عليه من أقدار الله تعالى فلا يقلق بفوات محبوب، أو حصول مكروه، لأن ذلك بقدر الله الذي له ملك السماوات والأرض، وهو كائن لا محالة وفي ذلك يقول الله تعالى: {مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ لِكَيْلا تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ وَاللَّهُ لا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ} [سورة الحديد، الآيتان: ٢٢-٢٣]
جمعه وكتب بعضه وليد أبو معاذ
